ابن عساكر

356

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

فرسا ، فتحدّث به أصحاب الأرمال « 1 » ، وقالوا : إنه حدث في المروج حصان من الخيل ما رأينا مثله عظما وجسما ، لا يقوم له شيء ، ولا يرومه إنسان ، فجعل لا يمسخ في شيء إلا ذكر عظمه وقوته وتحدّث بذلك ، فلم يزل في ذلك سبع سنين وولده وملكه على حاله لم يتغيروا ، ولم يحدثوا فيه شيئا ، وكان يأمرهم دانيال أن لا يغيّروا من أمره شيئا حتى يرجع إليهم . وفي رواية ، وكان إذا مسخ في جنس ذكرا فاشتهى الإناث واغتلم حوّله أنثى ، فأحرم « 2 » واشتهى الذكور حوّله اللّه ذكرا ، فكان لا يصل إلى شهوته من الجماع ، ولا يوصل إليه . قالوا : وكان آخر خلق مسخ فيه بخت‌نصّر البعوضة ، فأقبل في صورتها يطير حتى دخل بيته ، فحوّله اللّه إنسانا ، فاغتسل بالماء ولبس المسوح « 3 » ، وألقى جفن « 4 » سيفه ، ثم خرج به صلتا « 5 » يتوكأ عليه حتى برز إلى جنّاته ، فأمر بجمع قومه فاجتمعوا كأجمع ما كانوا قطّ ، ثم قال : يا أيها الناس إنّي وإياكم كنا نعبد من دون اللّه ما لا يضرنا ولا ينفعنا ، ولا يخلقنا ولا يرزقنا ، ولا يميتنا ولا يحيينا ، ولا يملك لنا من اللّه شيئا ، وإنّه قد تبيّن لي من قدرة اللّه في نفسي أن لا إله إلّا إله بني إسرائيل ، فمن بايعني على هذا أو أجابني إليه ، فأنا منه وهو مني ، وأنا وهو في الحق سواء ، ومن أبى وخالف ضربته بسيفي هذا ، وأشار به إليهم - وكان فيهم مهيبا - حتّى يحكم اللّه بيني وبينه ، ألا وإنّي قد أجّلتكم يومي هذا ، فإذا أصبحت فأجيبوني ، ثم انصرف عنهم ، فساعة دخل بيته وقعد على فراشه قبض اللّه روحه . فقال وهب بن منبّه :

--> ( 1 ) كذا في مختصر ابن منظور ، وبهامشه كتب محققه : كذا بالأصل ولعله « الأزمال » بالزاي ، من النشاط والسرعة ، يقال : فرس أزمولة إذا انتشر في عدوه وأسرع . ( 2 ) حرمت المعزى وغيرها من ذوات الظلف وكذا الذئبة والكلبة حراما بالكسر ، إذا أرادت الفحل ، والاسم الحرمة وقال الجوهري : الحرمة هي شهوة الجماع ، وقد استعمل في الحديث لذكور الأناسي ، قال ابن الأثير : وكأن الحرمة بغير الآدمي من الحيوان أخص . ( تاج العروس : حرم ) . ( 3 ) المسوح وأحدها المسح بالكسر ، وهو ثوب من الشعر غليظ ، ( تاج العروس : مسح ) . ( 4 ) الجفن غمد السيف ( تاج العروس : جفن ) . ( 5 ) الصلت : الجبين الواضح ، وقيل : الواسع ، وقيل : الأملس ، وقيل : البارز . والصلت هنا : السيف الصقيل المنجرد الماضي في الضريبة ، يقال : أصلت السيف إذا جردته ( تاج العروس : صلت ) .